
عقارب الساعة تشير إلى الساعة الثانية و خمس وثلاثين دقيقة صباحا ، الظلام دامس، الناس نيام ، الشوارع تبدو خالية و هادئة إلا من اصوات نباح بعض الكلاب ، وحجافل البعوض تحاصر أجسادنا الواهنة من كل صوب وحدب ويبدو أنها أقسمت على ألا تبارحها الا وقد نالت منها و فتكت بها.
حاولت مرارا و تكرارا أن اخلد للنوم في ذلك الصباح الموحش مثلي كالكثيرين من سكان الخرطوم الذين يحلمون بانتهاء الحرب اللعينة وبداية عهد جديد خالي من تعقيدات الحياة ، فلم استطع النوم وقتها لأنشغالي بالأفكار و الأسئلة التي تحاصر عقلي وربما لا أجد لها إجابات في الوقت الراهن ، فالحرب لم تضع أوزارها بعد ، واعداد كبيرة عصفت بهم الحرب بين قتيل وجريح ومشرد وهذا الأخير هجر دياره وأثر البقاء مع أقاربه وأهله في الولايات ، وآخرين خارج الوطن في انتظار الفرج .
فتعقيدات الحياة في السودان كثيرة هذه الأيام ، والكل يكافح و يناضل من أجل توفير أدنى متطلبات الحياة لعائلته و أفراد أسرته من لقمة عيش وجرعة علاج و تعليم و … الخ ) في ظل واقع مرير ومستقبل مجهول ووطن لا وجيع له .
فكل يغني على ليلاه و مشغول بأطماعه ، فبعض الساسة يفكر في أقتسام كيكة السلطة ، وذاك إنتهازي محاولا إيجاد منصب أو موطأ قدم له في وزارة أو إدراة أو وظيفة ، و معظم التجار وممن يعلمون في الأسواق قد تحولوا إلى مصاصي دماء وقد ملاء الجشع قلوبهم مستغلين فوضى الحرب و غياب الرقابة في ظل دولة أنهكتها الحرب و تعمل جاهدة لتسيير دولاب العمل وإدارة الحرب وبسط الأمن و إعادة الطمأنينة للمواطن ، و أيضا عدد كبير من المدارس والجامعات الخاصة والتي تستثمر في أبناءنا أصبح جل همها الربح وجمع مليارات الجنيهات التي قد تفوق إمكانيات وميزانيات الأسر ، أما العلاج فحدث ولا حرج فقد تحول الطب عند بعض الإختصاصيين والمستشفيات الخاصة من مهنة إنسانية إلى مصدر للأموال والثراء الفاحش ، فربما لجاء بعض المرضى لبيع مصادر أرزاقهم من عقارات او مزارع ومدخرات لإجراء العمليات الكبيرة ، والضحية (محمد أحمد ) السوداني الغلبان الذي لا يجد أحيانا ما يسد به رمق جوع أطفاله وأفراد أسرته.
و كيف لمواطن مغلوب على أمره لا يدري ماذا تخبئ له قادم الأيام وهو لا حول له ولا قوة وقد اعيته الحرب ووهن العظم منه وبعضهم أشتعل رأسه شيبا من هول ما رأى من الحرب التي حصدت الأخضر واليابس، قتل فيها آلاف من الأبرياء و شردت الملايين من الناس وجردتهم من ممتلكاتهم و ذكرياتهم .
وبينما أنا استرسل في كتابة هذا المقال قطع حبل أفكاري وتوقفت أناملي عن الكتابة لبكاء ابني الصغيري الذي أيقظته من سباته العميق نوبة كحة، هذا المرض اللعين وهو أحد إفرازات الحرب ظل ملازم له قرابة خمسة أشهر فور عودته من شندي بعد عامين من النزوح، وقد عجز عن علاجه الأطباء وبعضهم قال إنها (الكحة) ربما تحتاج لتسعة أشهر حتى يتعافى منها، الأمر الذي جعلني اشفق عليه أكثر من نفسي، فإبني ما يزال طفل يافع وصغير السن، فبت لا اضربه ولا انتهره خشية ان يزداد مرضه .
ولنا عودة…



